أطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها الإنسانيون المناشدة الإنسانية العالمية لعام 2025 بقيمة 47 مليار دولار بهدف دعم 190 مليون شخص في 32 دولة و9 مناطق مضيفة للاجئين، في وقت ارتفع فيه عدد المحتاجين عالميًا إلى نحو 305 ملايين إنسان. ويشير التقرير السنوي إلى أن طبيعة الأزمات الإنسانية أصبحت أكثر تعقيدًا نتيجة التداخل بين النزاعات الممتدة، والانهيارات الاقتصادية، والتدهور المناخي، وتراجع الخدمات الأساسية، مما جعل حجم الاحتياجات يفوق قدرة النماذج التقليدية على الاستجابة. وتشهد سياقات مثل فلسطين، السودان (دارفور)، سوريا، اليمن، جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهايتي تدهورًا متسارعًا يتداخل فيه ضعف البنية الأساسية مع الاضطرابات السياسية وارتفاع النزوح الداخلي، الأمر الذي يضع ملايين الأسر في دائرة احتياج ممتدة ومتكررة. وتشير التحليلات إلى أن نمط الأزمات قد تغيّر بصورة جوهرية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ لم تعد المخاطر محصورة في فترة زمنية قصيرة، بل أصبحت الأزمات تمتدّ لسنوات طويلة وتتعمق بفعل التداخل بين العوامل السياسية والاقتصادية والمناخية. وهذا التحول يجعل الاستجابات التقليدية غير كافية، ويُبرز الحاجة إلى أدوات أكثر ذكاءً وتنسيقًا وسرعة لمواكبة هذا الواقع المتقلب.
ومن بين التحديات الملحّة التي يبرزها التقرير:
- الضغط العالمي على سلاسل التوريد وما نتج عنه من تأخير في تدفق المواد الأساسية.
- صعوبة الوصول الإنساني في مناطق النزاع نتيجة انعدام البيئة الآمنة للعاملين.
- ضعف قدرات الأنظمة الصحية وعدم قدرتها على استيعاب الارتفاع الكبير في الاحتياجات.
- تزايد الهجرة والنزوح الداخلي بما يفرض ضغوطًا إضافية على المجتمعات المحلية والخدمات العامة.
- تفاقم أوضاع الفئات الأكثر هشاشة مثل النساء والأطفال وذوي الإعاقة وارتفاع مخاطر الحماية.
اتساع الفجوات وتزايد الحاجة إلى التنسيق
في ظل محدودية الموارد، تؤكد الأمم المتحدة أن تعزيز التنسيق الإنساني أصبح ضرورة حتمية لضمان كفاءة الاستجابة وتقليل الازدواجية والهدر. إذ يؤدي تعدد الفاعلين وعدم توفر بيانات موحدة إلى فجوات حقيقية في التدخلات أو تكرارها في مناطق أخرى، مما يضعف أثر المساعدات في البيئات الأكثر هشاشة. ولهذا يشدد النداء على أهمية تطوير منصات رقمية مشتركة، وتحسين آليات تقاسم المعلومات، وتعزيز التحليل الدقيق للاحتياجات، بما يضمن توجيه الجهود نحو الأولويات الفعلية على الأرض.
وتشير الأرقام الأولية إلى أن التمويل المتاح أقل بكثير من ثلث الاحتياجات المعلنة، مما يجعل فجوة التمويل واحدة من الأوسع خلال أكثر من عقد. ويهدد هذا النقص قطاعات رئيسية مثل الصحة والغذاء والمياه والحماية، وقد يدفع إلى تقليص عمليات إنسانية في مناطق تعتمد بالكامل على المساعدات للبقاء.
تعزيز الدور المحلي كمسار استراتيجي
وتتزايد القناعة عالميًا بأن دعم القدرات المحلية يمثل أحد أكثر المسارات فاعلية لضمان استجابات مستدامة ومرتبطة باحتياجات المجتمعات. فالجهات المحلية تمتاز بالقدرة على الوصول السريع، ومعرفة عميقة بالسياق، وصلات مباشرة بالناس، مما يجعل دورها محوريًا في التخطيط والتنفيذ. وتشجع التوجهات الإنسانية الحديثة على توسيع التمويل المباشر للمنظمات المحلية وتعزيز مشاركتها في التحليل وصياغة البرامج، لضمان تدخلات أكثر دقة وارتباطًا بالواقع.
قراءة تحليلية: نحو منظومة استجابة أكثر ذكاءً وتكاملاً
يعكس النداء الإنساني لعام 2025 تحوّلًا واضحًا نحو نموذج إغاثي يعتمد على المعرفة والتحليل المتقدم إلى جانب التمويل، لبناء استجابة أكثر ذكاءً واستباقية. وتبرز مجموعة من الاتجاهات التي تُعدّ أساسية لتحسين جودة القرار وتسريع التدخل، من أبرزها:
- تحليل البيانات اللحظية لرصد تطور الأزمات وتحديد مناطق الضعف.
- الخرائط الإنسانية التفاعلية لقراءة أنماط الاحتياج بدقة.
- أنظمة الإنذار المبكر للتنبؤ بالمخاطر قبل تفاقمها.
- منصات تنسيق تربط بين الفاعلين الدوليين والإقليميين والمحليين لتفادي التداخل وتعزيز التناغم.
- آليات تمويل مرنة تتيح سرعة التدخل دون قيود بيروقراطية.
- تمكين المجتمعات المحلية للمشاركة في تحديد الأولويات وتصميم الاستجابة.
وتُظهر القراءة المتعمقة أن نجاح الجهود الإنسانية خلال السنوات المقبلة لن يرتبط فقط بحجم التمويل، بل بقدرة المنظومة على العمل بتكامل أكبر، وبيانات أوضح، وتحليل أدق، وتمكين أوسع للفاعلين المحليين، بما يضمن استجابات أسرع وأكثر فاعلية وارتباطًا بالواقع الميداني.