الكاتبة: د. علا الكحلوت |
يتزايد في السنوات الأخيرة النقاش داخل الأوساط الإنسانية حول أهمية دمج البحث العلمي والتحليل المعرفي في منظومة الاستجابة الإنسانية، في ظل تركّز معظم التمويل الإنساني على تنفيذ المشاريع الميدانية المباشرة مثل توزيع المساعدات الغذائية، وتوفير المأوى، والخدمات الصحية. ورغم الأهمية الحيوية لهذه التدخلات، تشير العديد من التقارير الإنسانية إلى وجود فجوة ملحوظة في تمويل الدراسات الميدانية والتحليلات السياقية التي تُسهم في فهم طبيعة الأزمات الإنسانية وخصائص المجتمعات المتأثرة بها.
ويؤكد خبراء العمل الإنساني أن غياب الاستثمار الكافي في البحوث والتحليل الميداني قد يحدّ من قدرة الجهات الإنسانية على تصميم تدخلات أكثر دقة وملاءمة للسياق المحلي. فالدراسات الاجتماعية والاقتصادية، وتحليل أنماط النزوح، وديناميات المجتمعات المحلية، وآليات التكيّف المجتمعي مع الأزمات، كلها عناصر أساسية تساعد المنظمات الإنسانية على تطوير استجابات أكثر استدامة وفاعلية.
كما يشير العاملون في المجال الإنساني إلى أن المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية تمتلك خبرات مهمة في تحليل الأزمات الإنسانية، لكنها غالبًا ما تبقى خارج منظومة التمويل الإنساني التي تميل إلى دعم الأنشطة التنفيذية المباشرة. ويؤدي ذلك في بعض الأحيان إلى تنفيذ برامج إنسانية دون الاستفادة الكاملة من المعرفة المتخصصة التي يمكن أن توفّرها الدراسات الميدانية والتحليلات العلمية.
وتبرز في هذا السياق أهمية بناء جسور أوثق بين المنظمات الإنسانية والمؤسسات البحثية، بما يسمح بتطوير نماذج تعاون تُدمج التحليل المعرفي في مراحل تصميم البرامج الإنسانية وتقييمها. كما يمكن للبحوث التطبيقية والدراسات الميدانية أن تسهم في تحسين فهم السياقات المحلية، وتحديد الأولويات الإنسانية بدقة أكبر، وتطوير أدوات تقييم أكثر ملاءمة للواقع الميداني.
كما تلعب الدراسات المرتبطة بالمشاريع التنموية دورًا مهمًا في الحد من تكرار آثار الكوارث أو التخفيف من حدتها، من خلال تحليل أنماط الهشاشة المجتمعية والبيئية، وتطوير تدخلات تنموية تراعي طبيعة المناطق المعرضة للمخاطر مثل الفيضانات أو الجفاف أو الانزلاقات الأرضية. ويساعد هذا النوع من الدراسات على توجيه التخطيط التنموي والإنساني نحو حلول أكثر استدامة، بما يعزز قدرة المجتمعات على الصمود أمام الكوارث المتكررة.
إضافة إلى ذلك، تسهم البحوث الميدانية في رصد الظواهر الإنسانية المستجدة التي تظهر في سياقات الأزمات، مثل حالات **الناجي الوحيد من الأسرة** نتيجة النزاعات أو الكوارث، أو التغيرات في البنية الاجتماعية للأسر والمجتمعات المتأثرة. كما تساعد الدراسات التقييمية في مراجعة وتحديث التدخلات الإنسانية القائمة، مثل إعادة تقييم **مدى ملاءمة مكونات السلال الغذائية** مع العادات الغذائية المحلية والبيئة الاجتماعية والاقتصادية لكل بلد، بما يضمن أن تكون المساعدات الإنسانية أكثر توافقًا مع احتياجات المجتمعات المستفيدة.