الكاتبة: د. علا الكحلوت |
تشهد منظومة العمل الإنساني في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا نحو تعزيز دور المنظمات المحلية في الاستجابة للأزمات الإنسانية، في إطار توجه دولي متزايد لدعم ما يُعرف بتوطين العمل الإنساني. ويعكس هذا التحول إدراكًا متناميًا داخل القطاع الإنساني لأهمية الفاعلين المحليين في الوصول إلى المجتمعات المتضررة وفهم السياقات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالأزمات الإنسانية، وهو ما يسهم في تصميم تدخلات إنسانية أكثر ملاءمة للواقع المحلي وأكثر استجابة لاحتياجات السكان. وتشير الخبرات الميدانية في العديد من الأزمات الإنسانية إلى أن المنظمات المحلية غالبًا ما تكون الأكثر قدرة على الوصول السريع إلى المجتمعات المتضررة، نظرًا لوجودها المسبق في المناطق المتأثرة بالأزمات ومعرفتها العميقة بالبيئة المحلية والبنية الاجتماعية للمجتمعات التي تعمل فيها. كما تلعب هذه المنظمات دورًا محوريًا في تنفيذ البرامج الإنسانية وتقديم الخدمات الأساسية في مجالات متعددة، من بينها الإغاثة الطارئة والرعاية الصحية والدعم المجتمعي وخدمات الحماية، الأمر الذي يجعلها في كثير من السياقات الإنسانية الركيزة الأساسية للعمل الإنساني الميداني.
وفي العديد من الأزمات الممتدة، تشكل المنظمات المحلية العمود الفقري لتنفيذ العمليات الإنسانية اليومية، سواء بشكل مباشر أو من خلال شراكات مع المنظمات الدولية. غير أن هذه المنظمات غالبًا ما تعمل ضمن هياكل تشغيلية يتركز فيها التخطيط الاستراتيجي وإدارة التمويل لدى الجهات الدولية أو المانحة، بينما يقتصر دور الفاعلين المحليين في كثير من الحالات على تنفيذ الأنشطة الإنسانية على الأرض. وقد أدى هذا الواقع إلى بروز نقاشات متزايدة داخل القطاع الإنساني حول طبيعة العلاقة بين المنظمات الدولية والفاعلين المحليين، ومدى قدرة النظام الإنساني الحالي على تحقيق شراكات أكثر توازنًا بين الطرفين. كما تسلط هذه النقاشات الضوء على الحاجة إلى تطوير أدوات تقييم جديدة تقيس مدى مشاركة المنظمات المحلية في عمليات التخطيط الإنساني وفي تحديد أولويات الاستجابة، وليس فقط في تنفيذ البرامج. ويعكس هذا النقاش تحولًا مهمًا في فهم طبيعة العمل الإنساني، حيث لم يعد ينظر إلى الاستجابة الإنسانية باعتبارها تدخلًا خارجيًا فقط، بل كعملية تشاركية تعتمد على تمكين المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على التعامل مع الأزمات والاستفادة من المعرفة والخبرة التي تمتلكها المؤسسات المحلية في فهم السياقات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المتضررة.