الكاتب: عبد الله جلال الدين |
في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً وتهميشاً على مستوى العالم، تواصل تشاد تحمّل عبء استضافة غير مسبوق للاجئين السودانيين، في ظل تدفقات بشرية مستمرة منذ اندلاع النزاع في السودان في أبريل 2023. ومع تجاوز إجمالي اللاجئين 1.8 مليون شخص، بينهم أكثر من 904,000 لاجئ جديد منذ 2023، تبرز تشاد كواحدة من أكثر الدول استضافة للاجئين نسبة إلى عدد السكان عالمياً، ما يضع منظومتها الهشة أصلاً أمام اختبار غير مسبوق.
ديناميكيات النزوح والتمركز الجغرافي
تتركز الكثافة السكانية للاجئين في الأقاليم الشرقية الهشة، لا سيما أواداي، سيلا، وادي فيرا، وإنيدي الشرقية، حيث يتم نقل نحو 67% من الوافدين من نقاط العبور الحدودية - مثل الطينة - إلى مواقع ومخيمات رسمية بدعم مشترك من الحكومة التشادية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. إلا أن هذا النقل لا يواكب سرعة التدفقات، ما يؤدي إلى توسع مواقع عشوائية تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.
أوضاع إنسانية متدهورة: مؤشرات حرجة متعددة القطاعات
تشير البيانات الميدانية إلى تدهور حاد في مختلف مؤشرات الاستجابة الإنسانية:
المأوى والاكتظاظ: تعاني المخيمات من ازدحام شديد، حيث يعيش آلاف الأسر في مواقع انتقالية غير مجهزة بشكل كافٍ.
الأمن الغذائي والتغذية: يعاني حوالي 10% من الأطفال الوافدين حديثاً من سوء تغذية حاد. كما تسببت فجوات في إمدادات الغذاء في اندلاع احتجاجات داخل مخيمات رئيسية مثل غوتران (التي تضم أكثر من 50,000 لاجئ) وتولوم.
الصحة والمياه والصرف الصحي: تشهد المخيمات تفشياً متكرراً لمرض الكوليرا، مع نقص حاد في المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي. تعمل المرافق الصحية - بما فيها مستشفى تين الحدودي - بطاقة محدودة جداً، وتعتمد على مصادر طاقة غير مستقرة.
الحماية: أفاد 72% من اللاجئين الذين شملتهم عمليات الرصد بحدوث انتهاكات جسيمة، تشمل العنف الجسدي والجنسي. وتشكل النساء والأطفال نسبة 86% من إجمالي الوافدين، مما يزيد بشكل كبير من مخاطر الحماية التي يواجهونها.
الضغط على المجتمعات المضيفة
لا تقتصر الأزمة على اللاجئين، بل تمتد آثارها إلى المجتمعات المحلية التي تُعد من بين الأفقر في البلاد. إذ تواجه تشاد نفسها احتياجات إنسانية داخلية تشمل نحو 4 ملايين شخص، في ظل أزمات متداخلة مثل الفيضانات (2024) وسوء التغذية المزمن، ما يخلق تنافساً حاداً على الموارد المحدودة.
تطورات ميدانية حديثة تعمّق الأزمة
شهدت الفترة 2025 - 2026 تصعيداً ملحوظاً في وتيرة النزوح والاحتياجات:
في نوفمبر 2025، أدت الاشتباكات في دارفور، خاصة في الفاشر، إلى موجات نزوح يومية نحو الحدود.
في ديسمبر 2025، تصاعدت حوادث النهب داخل المخيمات، ما زاد من هشاشة البيئة الأمنية.
في مارس 2026، أسفرت اشتباكات عنيفة في الطينة الحدودية عن وصول 123 جريحاً إلى الجانب التشادي، توفي منهم 17، بينما بقي 66 في حالة حرجة، ما أدى إلى ضغط إضافي على النظام الصحي وتعطيل محتمل للمساعدات.
تحليل الاستجابة الإنسانية: فجوة متسعة رغم الجهود
تقود المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع الحكومة التشادية وشركاء مثل منظمة أطباء بلا حدود واليونيسف، استجابة متعددة القطاعات تشمل التسجيل، النقل، الحماية، والرعاية الصحية. كما تغطي خطة الاستجابة الإقليمية لعام 2026 نحو 4.4 مليون لاجئ سوداني في المنطقة.
إلا أن هذه الجهود تصطدم بفجوة تمويلية حادة، حيث تُصنّف الأزمة ضمن الأقل تمويلاً عالمياً. وتشير التقديرات التشغيلية إلى أن أقل من 40% من الاحتياجات التمويلية قد تم تلبيتها حتى الربع الأول من 2026، ما أدى إلى:
تقليص الحصص الغذائية
تعليق أو تأخير برامج الحماية
ضعف التوسع في البنية التحتية للمخيمات
اتجاهات مستقبلية ومخاطر محتملة
في ظل استمرار النزاع داخل السودان، وعدم استقرار المناطق الحدودية، يُتوقع استمرار تدفقات اللاجئين بوتيرة مرتفعة خلال 2026. وإذا استمر نقص التمويل، فإن السيناريو المرجح يتمثل في:
تفاقم معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال
زيادة التوترات بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة
انهيار جزئي في الخدمات الأساسية داخل المخيمات
تمثل أزمة اللاجئين السودانيين في تشاد نموذجاً صارخاً لما يُصنَّف ضمن “الأزمات الممتدة منخفضة التمويل”، حيث يتداخل الضغط الديمغرافي المتسارع مع محدودية قدرات الدولة المضيفة وهشاشة بنيتها الخدمية، في ظل استجابة دولية لا ترقى إلى حجم الاحتياجات المتزايدة. ورغم النهج الإنساني الذي تبنّته تشاد عبر إبقاء حدودها مفتوحة واستيعاب تدفقات كبيرة من اللاجئين الفارين من النزاع في السودان، إلا أن استمرار هذا الواقع دون تدخل دولي عاجل ومنسق يهدد بدفع الأزمة نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، قد يصعب احتواؤها لاحقاً.
إن تفادي هذا السيناريو يتطلب تحركاً فورياً متعدد المستويات، يبدأ بسد الفجوة التمويلية الحرجة، ولا ينتهي عند إعادة هيكلة الاستجابة وفق مقاربة تكاملية تربط بين الإغاثة الطارئة والتنمية المستدامة. ويشمل ذلك الاستثمار في دعم المجتمعات المضيفة، وتعزيز برامج سبل العيش، وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية، بما يضمن انتقالاً تدريجياً من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة على الصمود، وتحقيق استجابة أكثر كفاءة وعدالة في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية إلحاحاً على المستوى العالمي.