تشير بيانات البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNDRR) إلى أن الكوارث الطبيعية تتسبب بخسائر اقتصادية عالمية تتجاوز 300 مليار دولار سنويًا في المتوسط، مع تسجيل أكثر من 1.6 مليار شخص تأثروا بالكوارث خلال العقد الأخير. كما تُظهر التقديرات أن الكوارث المرتبطة بالمناخ وحدها قد تدفع ما يصل إلى 132 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع بحلول عام 2030 إذا لم تُدمج سياسات التعافي مع خطط التنمية المستدامة. وتؤكد تحليلات البنك الدولي أن كل دولار واحد يُستثمر في الحد من المخاطر وإعادة البناء المرن يمكن أن يوفر ما بين 4 إلى 7 دولارات من الخسائر المستقبلية، في حين تشير دراسات برامج "Build Back Better" إلى أن دمج إعادة الإعمار مع خطط التنمية يقلل من كلفة الاستجابة المتكررة بنسبة قد تصل إلى 30–40٪ في السياقات المعرضة لصدمات متكررة.
من الاستجابة الطارئة إلى إعادة البناء المرن
لم يعد التعافي بعد الكوارث يُنظر إليه كمرحلة لاحقة للاستجابة الطارئة فحسب، بل كفرصة استراتيجية لإعادة البناء بشكل أكثر أمانًا واستدامة. ووفق تقارير تقييم احتياجات ما بعد الكارثة (PDNA)، فإن الدول التي اعتمدت مقاربات إعادة إعمار قائمة على تقييم شامل للاحتياجات تمكنت من تقليص فترة التعافي الاقتصادي بنسبة تصل إلى 20–25٪ مقارنة بالدول التي اعتمدت استجابات جزئية أو قصيرة الأمد. كما تشير تقارير أممية إلى أن 60٪ من الخسائر الاقتصادية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل ترتبط بضعف البنية التحتية وغياب التخطيط المسبق للتعافي، ما يعزز أهمية الاستثمار في إعادة تأهيل شبكات المياه، والمرافق الصحية، والمدارس، وسبل العيش المحلية كجزء من رؤية تنموية متكاملة.
فجوة التمويل بين الإغاثة والتنمية
رغم وضوح العائد الاقتصادي لإعادة التأهيل، لا يزال التمويل الدولي يميل نحو التدخلات الطارئة قصيرة الأجل. وتشير بيانات تمويل العمل الإنساني إلى أن أقل من 15٪ من التمويل المخصص للأزمات الممتدة يُوجَّه إلى برامج التعافي وبناء القدرة على الصمود، بينما يذهب الجزء الأكبر للاستجابة الفورية. كما أن فجوة التمويل الإنساني العالمية تجاوزت 20 مليار دولار في بعض السنوات الأخيرة، ما يحدّ من قدرة الجهات الفاعلة على الانتقال من الاستجابة إلى التعافي المستدام. ويؤدي ذلك إلى استمرار دورة الاعتماد على المساعدات بدل الاستثمار في تقليل المخاطر المستقبلية.
يرى ريليف سنتر أن هذه المؤشرات الرقمية تؤكد أن إعادة تأهيل المجتمعات ليست خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية لتقليل التكلفة الإنسانية والاقتصادية للأزمات. فكل استثمار في الرصد المبكر، وتحليل المخاطر، وبناء القدرات المحلية، ينعكس مباشرة على تقليص الخسائر المستقبلية وتسريع التعافي. كما يؤكد المركز أن التكامل بين الرصد والتحليل، وبناء القدرات، والتفاعل المجتمعي يمثل الركيزة الأساسية لتحويل مرحلة ما بعد الكارثة إلى نقطة انطلاق تنموية. فالتعافي المستدام لا يتحقق فقط بإعادة بناء ما تضرر، بل بإعادة تصميم النظم المحلية لتكون أكثر مرونة أمام الصدمات المستقبلية. ومن هنا، يمكن توظيف هذه المعطيات الرقمية في إعداد مقترحات مشاريع طويلة الأمد تدمج بين إعادة التأهيل الاقتصادي، ودعم سبل العيش، وتعزيز الحوكمة المحلية، بما يقلل من فجوات الاستجابة ويحقق أثرًا إنسانيًا وتنمويًا متكاملاً ومستدامًا.